|     المعهد العالمي للفكر الإسلامي
العدد: 011 > بحوث ودراسات

علم الاجتماع الغربي وثنَائيّاته النّظريّة

فضيل دليو

أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 421   عدد الاصوات: 87 تعليقات: 1 - أضف تعليقك
   
تمهيد
من المعروف لدى المهتمين بالعلوم الاجتماعية أن هذه الأخيرة، بمفهومها الحديث، نشأت وترعرعت في بيئة الإنسان الغربي الذي يتميز فكره بأطرٍ معرفيةٍ ومنهجيةٍ خاصةٍ، ترتكز أساساً على التمييز بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وبين المادّة والروح، وبين الواقع والقيمة… تمييزاً إقصائياً (أي أن التمسك بطرف يستلزم نكران الطرف الآخر) مما جعل الباحثين الاجتماعيين في الغرب، ومن سار على نهجهم في العالم الثالث، يغرقون في مجال لامتناهٍ من الثنائيات المتنافية (الموضوعية والذاتية، والبناء والفعل، والكلية والجزئية، والوفاق والصراع…) التي أفضت إلى سلسلة من الإشكاليات والحلول بعضها يوازي البعض، يناقضه أو يلغيه.
ولقد ترجم هذا الوضع غير المتجانس عند الدارسين إلى مداخل نظرية مختلفة، يهتم كل واحد منها باتجاه محدد أو يركز على دراسة عنصر واحد من الواقع الاجتماعي المعقد والمتداخل العناصر، ولكنهم ينطلقون منذ البداية من خلفيات أيديولوجيّة وأنظمة فكرّية موجهة، فيبنون الحقيقة لكي تتلاءم مع الأفكار المسبقة المؤطرة لها.
من المعلوم أن علم الاجتماع الغربـي لم ينشأ من العدم تخصصاً أكاديمياً خاصاً، بل ظهر بوصفه حركةً عامة في الفكر الفلسفي الغربـي للقرن التاسع عشر؛ ففي الربع الأول من هذا القرن طَوّر بعض المثقفين الألمان (الذين ثاروا علـى وضعهم ورفضوا البديل الفرنسي التنويري الخاص بالنظام الاجتماعي الجديد) حركة اجتماعية جديدة أسموها: الرومانسية (Romanticism).1 وكانت أولى تعبيراتها الثقافية: المثالية الفلسفية ﻟ: كانط، وهيجل، وشيلينغ، وفيخت، إلى أن ظهر التحليل الاجتماعي الكيفي والمقارن مع ماكس فيبر، ثم الظاهراتية مع بينـز برغر ولوكمان والتفاعلية الرمزية، الأثنوميثودولوجيا… وباقي التفريعات الجديدة التي عادة ما تصنف ضمن ما يمكن تسميته بـ "اليمين الجديد"، مقابل "اليسار الجديد" (أي الاتجاه النقدي الجديد بجناحيه).2
وبالنسبة للتصور الرومانسي، لم يكن "الحديث" (modern)متميزاً بظهور العلم والعقلانية، بل ببعض الإبداعات في الفنون وخاصة في الثقافة الأدبية، فرفض الرومانسيون تصور مذهب التنوير الفرنسي لـ"الحديث" الذي أقامه الوضعيون الفرنسيون على أساس العقل والعلم والتقنية ونقد الدين ورفضه. وفي مقابل ذلك، حاول الرومانسيون الألمان فعلاً أن يكونوا "حديثيين" دون أن يرفضوا الدين والقيم المرافقة له.3 وبهذه الطريقة وتفريقهم بين ما هـو "رومانسي" وما هو "كلاسيكي" وتمجيدهم للقرون الوسطى، تمكن الرومانسيون الألمان وفي آن معاً من رفض التخلف السياسي الألماني الحاضر و"لادينية" أو "لائكية" المستقبل الفرنسي… ومن دفع "التنمية" بدون تبني "التطور"، ومن التطلع إلى مستقبل متجدد بدون نسيان أو انتقاص للماضي.
كانت الرومانسية الألمانية في بنيتها الأولية قد أنشئت أساساً من قبل فنانين وعلماء إنسانيين تقليديين تقودها نخبة ثقافية، بينما كانت الوضعية الفرنسية عبارة عن حركة اجتماعية تقوم على أساس المهن الجديدة الجذابة آنذاك: الهندسة والطب والعلم، وتقودها نخبة تكنولوجية جديدة.4
فلا غرابة، إذن، أن يحمل علم الاجتماع الغربي في ثناياه وفي سياق تطوره النظري والمنهجي، أهمَّ خصائص هذا الفكر الفلسفي الثنائي المتمثلة أساساً في الصراع بين شكلين فلسفيين، لكل منهما تاريخه الخاص: "العضوية" (Organicism) برومانسيتها و "الوضعية" (Positivism) بماديتها.5
يتمثل الاتجاه الأول، المتأصل في "الفلسفة المثالية"، في تصور العالم على أسس نماذج عضوية وروحانية، كما ارتبط عموماً باتجاهات غير إمبريقية. أما الاتجاه الثاني، فهو يتناقض مع الأول في ذلك، ويعد العادات والمؤسسات والأيديولوجيات التقليدية تطعيمات عمياء ولا عقلانية وأخطاءً قديمة.
وتعد معظم مدارس علم الاجتماع امتداداً طبيعياً لهما، إذ تجد نقطة انطلاقها كل مرة في هذه الفلسفة بقطبيها. فإذا استعرضنا الكتابات بمختلف هذه المدارس، نجد أنفسنا أمام -على حد تعبير مارتندال- "إعادة بدء مستمرة" لهـذا الصراع بين هذين القطبين وتفريعاتهما، يُتَوَّجُ بين الحين والآخر بمحاولات تأليفية هي تلفيقية في حقيقتها، لا تذهب إلى أبعد من تهذيب حدة كل طرف والتكيف المتجدد مع الاحتياجات المتغيرة لمجال دراستها. وقد يؤدي ذلك أحياناً إلى تقدم ما بتأثير جهود مختلف المدارس، ولكن ذلك لا يعني أن مشاكل النظرية الاجتماعية يمكن حلها بواسطة عملية تأليفية (eclectic)توحِّد بين المفضَّل لدى كل مدرسة،6 وخاصة إذا علمنا أن منطلقات هذه المفضلات قد تكون متناقضة أصلاً.
وبما أن هذه المنطلقات المعرفية غير متجانسة وتعاني من توتر داخلي بسبب ثنائياتها المتناقضة، فإن نتائج البحث الاجتماعي ستتأثر لا محالة بهذه المرجعية. ويعكس هذه الحالةَ التراثُ المعرفي الغربي الضخم الذي يتميز على العموم في مجال علم الاجتماع بسلسلة من الثنائيات المتناقضة، لا ينحصر الخلاف بينها في دراسة الخصائص المشتركة لمختلف الظواهر الاجتماعية والعلاقات المتبادلة بينها، بل يتعداه إلى تحديد مجال علم الاجتماع نفسه ومضمونه.7 ونستعرض فيما يأتي بإيجاز أهم الثنائيات النظرية التي تميز هذا المجال، محاولين القيام بعملية فرز وتصنيفٍ لتراث علم الاجتماع الخاص بهذه الثنائيات وبالمحاولات "التوفيقية" بينها، مذيلين كل ذلك وفي كل مرة بتحليل نقدي من منطلق خارج عن الإطار المرجعي الغربي ثم بخاتمة جامعة توجيهية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أننا لن نتبع في سبيل ذلك ما تعودنا عليه من المحطات التاريخية المختلفة التي مرت بها النظرية الاجتماعية خلال هذا القرن:
أ - التمكين المؤسسي لعلم الاجتماع بين الحربين العالميتين.
ب - الوفاقان المهيمنان حتى الستينيات: البنائية الوظيفية والماركسية.
ﺟ - تهافت قواعد هذه الهيمنة بمصطلحيها الأساسيين: "الوظيفة" و"الطبقة" لتفسح المجال حتى الثمانينيات للتفرع والتنوع والنسبية بل للتضخم والضبابية.
د - ظهرت عدة محاولات تأليفية وتلفيقية -في العقد الأخير- تسعى إلى إعادة البناء من خلال قراءات متجددة للكلاسيكيين (مثل جهود هابرماس، وألكسندر، وجوفمان، وبيكر…) والجمع بين اتجاهاتها المختلفة أو تطوير اتجاهات توحيدية جديدة (كما هو شأن جدنـز، وبورديو…).
وبدلاً من ذلك فسنتبع طريقاً متميزاً تكون محطاته موضوعية حددتها أهم المعضلات النظرية التي تواجه كنه مجال علم الاجتماع، وذلك من خلال الاستعراض العفوي (أي، دون أن يكون ترتيبها ذا دلالة ما من حيث أي أفضلية أو أسبقية تاريخية كانت) لثنائياته الأساسية الآتية:
أ - الموضوعية والذاتية.
ب - البناء والفعل.
ج - الكلية (الجمعية) والفردية (الذرية).
د - التحليل الكلي والتحليل الجزئي.
ﻫ - الوفاق والصراع، والاستقرار والتغير.8
بين الموضوعية والذاتية
إن من أهم المعضلات التي تواجه علم الاجتماع في تحديد كنه مجاله "ثنائية الموضوعية الذاتية" التي عبّر عنها بيار بورديو P. Bourdieu بالمعارضة الظاهرية بين وجهتي نظر متناقضتين، وبين منظورين متنافرين، وهي المعارضة القائمة بين "الاتجاه الفيزيقي" والاتجاه النفساني".9 وهما في حقيقتهما -حسب رأي بينـز برغر GerrP. Be - تعبيران حديان للطروحات الكلاسيكية لكل من دوركايم وفيبر قد يصلان إلى حديْ الشيئية الجمادية والتشويه المثالي.10
إن الاتجاه الفيزيقي (Physiacalism) الذي يستلزم أن يتحدث العلم -بما في ذلك علم الاجتماع- لغةً مشتركة هي لغة الفيزياء، يستند إلى القول بأن الخبرات الحسية والمعالجات المنطقية الرياضية لهذه الخبرات هي المصدر الوحيد للمعرفة في كل من العلوم الطبيعية والاجتماعية على حد سواء. كما يعني ذلك أيضاً رفض كل المحاولات الاستنباطية الحدسية للحصول على هذه المعرفة من الواقع الذي يجب أن يجرد من كل إحساس ذاتي،11 وأن لا يربط بعوامل نفسية، وهو أمر بدعي عند دوركايم الذي يقول: "إن القول بأن مادة الحياة الاجتماعية لا يمكن تفسيرها بواسطة عوامل سيكولوجية محضة يبدو لي أمراً بدهياً".12
أما الاتجاه النفساني أو السيكولوجي، فهو يعني محاولة تفسير الظواهر الاجتماعية في ضوء الحقائق والنظريات التي تتناول تكوين الأفراد النفسي. ويستند هذا الاتجاه في التفسير إلى إنكار واقعية البناء الاجتماعي.13
والاتجاهان معاً يعبران عن الفجوة الموجودة في بحوث علماء الاجتماع ودراساتهم بين مادة الإدراك الحسي ومادة التفكير النظري، أي بين المادة والفكر، والحس والعقل، والموضوعية والذاتية…
ولنعد إلى الحديث عن قطب الموضوعية لنقول: إنها باعتمادها القاعدة المنهجية الأساسية التي أكدها دوركايم، متمثلة في ملاحظة الأفعال الاجتماعية ودراستها بوصفها "أشياء"، تفسر الحياة الاجتماعية عن طريق أسباب وعوامل خارجة عن وعي الفاعلين الاجتماعيين. إن تعبيرات هؤلاء لا تقدم لنا سوى انطباعات غامضة، مؤقتة وذاتية (دوركايم) وأوهام وتخيلات ووعي زائفٍ (ماركس)، يجب استبعادها إذا أردنا الوصول إلى معرفة علمية للواقع الاجتماعي: "إن الموضوعية التي تطمح إلى وضع انتظامات موضوعية (هياكل وقوانين وأنظمة وعلاقات،… إلخ) مستقلة عن الضمائر والإرادات الفردية، تدخل انقطاعاً بين المعرفة النظرية (العارفة) والمعرفة التطبيقية، رافضةً العقلانيات وشبه المفاهيم والأيديولوجيات التي تتسلح بها هذه الأخيرة."14
أما الذاتية فهي، على العكس من ذلك، تحصر محتوى مظاهر الحياة الاجتماعية فيما يعبر عنه الفاعلون الاجتماعيون أنفسهم وفيما يدركه فكر الحس العام (Common sense). ومن ثمَّ، فإن علم الاجتماع يتحول إلى مجرد تأويل لتأويلات الفاعلين الاجتماعيين أنفسهم بإعداد تقارير عن التقارير، وتأويلات من الدرجة الثانية أو الثالثة "مكثفة: و "سميكة".15 ومع ذلك، فإن الواقع الاجتماعي بتعقيداته وتعدد تفصيلاته وتشابك علاقاته يبدو للإدراك الحسي للباحث الاجتماعي في صورة غير واضحة المعالم.
ولهذا تتطلب دراسة هذا الواقع نوعاً من التنظيم التصوري (التمثيلي): "ولقد كانت عملية صوغ الأنماط التصورية للظواهر الاجتماعية واحدة من أهم الأدوات المنهجية التي استخدمها علم الاجتماع منذ نشأته لتحقيق وضوح الرؤية، وتظهر هذه الأنماط التصورية في البناء المنطقي لعلم الاجتماع على أنها وحداتٍ يتخذها الباحث موضوعاً للدراسة، ومفهوماتٍ يتم في ضوئها وصفُ ظواهر الواقع الاجتماعي وتفسيرها، وهي صورة من صور المنهج الكيفي في علم الاجتماع".16
ومن مفاهيم علم الاجتماع التي تعبر عن هذه الأنماط التصورية: الأمة والطائفة الدينية، والقبيلة والطبقة… (للتعبير عن أنماط البناءات الاجتماعية) والتكُّيف والصراع… (للتعبير عن أنماط العمليات الاجتماعية)؛ والعلاقات الأولية والثانوية… (للتعبير عن أنماط العلاقات الاجتماعية)؛ والبيروقراطية والديمقراطية… (للتعبير عن أنماط التنظيمات الاجتماعية)، والمجتمع المتخلف -والنامي، والريفي- والحضري… (للتعبير عن أنماط القطبية للأشكال العامة للمجتمع… إلخ). 17
وبالطبع، هناك من يحاول الجمع بين القطبين مؤكدا ً أن "الواقع الاجتماعي لا ينتهي عند المظهر الخارجي، بل هو في حاجة لاكتمال صورته إلى المعنى المعطى له من قبل المشاركين فيه. وأن هذا الواقع الأكثر تعقيداً الذي هو ظاهري في نفس الوقت، هو الذي يهم عالم الاجتماع."18
فكل من الواقع وتصوراته الاجتماعية يشكل المادة الأولية لعلم الاجتماع. هذا فضلاً عن كون المعانـي الذاتية وتصورات الأشخاص موضوعية: بطريقة ما، لأنها توجد أولاً خارج ذات الإنسان بوصفها أشياء يحتاج هذا الأخير إلى تعلمها قبل أن يحولها أو أن يتمثلها ذاتياً. وبما أن هذه المعاني الذاتية موجودةٌ فعلاً في ضمائر الأشخاص سواء كانت خاطئة أو صحيحة، فهي تؤثر في أنماط سلوك الناس وتصرفاتـهم، وقد تكون محل إجماعهم، ومن ثمَّ تنتج واقعاً اجتماعياً موضوعياً. وهو الأمر الذي يؤكده من منظور آخر بورديو حينما يشير إلى عدم التزام الموضوعيين بالموضوعية عندما يجردون "الواقع" من "تصوره".19
لكننا إذا سلمنا بضرورة جمع البعدين، فكيف يمكننا إدماجهما؟ أي كيف يمكننا تحديد العلاقة بين الواقع الاجتماعي وتصوراته؟ وبين وضعية ما وتعريفها؟ أو -حسب عبارة برغر- "بين البناء الاجتماعي والعوالم التي يعيش فيها الأفراد، أي التنظيمات المعرفي المفسرة للواقع التي يتم بداخلها تأويل التجارب الفردية؟."20
إن المتتبع للتراث المعرفي الخاص بالنظرية في علم الاجتماع يجد أثر هذه الثنائية (الموضوعية - الذاتية) واضحاً فيه، حيث يركز أصحاب الاتجاه الموضوعي على تأثير "الأفعال الاجتماعية"، والبناءات الاجتماعية و "النسيج" في الواقع "الذهني"، بينما يعمل الذاتيون في الاتجاه المعاكس ليجعلوا من البناءات الموضوعية متغيّراً تابعاً. ولكنّه يجد أيضاً أثراً لمحاولات متكررة تعمل على تجاوز هذين المنظورين.
إن بعض هذه المحاولات (بورديو وبرغر ولوكمان… إلخ) تجعل من مشكل توحيد هذين القطبين مسألة زمنية. ذلك أن بورديو يفرق عند تحديده هدف علم الاجتماع بين الزمن "الموضوعي"، الذي يمثل نقطتي البداية والنهاية ويتكون من البنى الموضوعية، والزمن "الذاتي" الذي يتوسط النقطتين ويتكون من بناءات إدراكية وتقديرية تنبع في تقديره من البناءات الموضوعية وتطبق عليها.21 ومن ثمَّ فالمرجعية في نموذجه هي البناءات الموضوعية التي تبقى هي الأصل والهدف معاً، بخلاف البناءات التقديرية التي هي تابعة ومؤقتة.
أما بيتر برغر وتوماس لوهمان فعلى الرغم من اعترافهما بأن الواقع يحدد اجتماعياً، فإنهم يقران أن التعريفات الشخصية تتجسد دائماً، أي أن الأفراد والجماعات تصلح لتحديد هذا الواقع، معلّلين ذلك بأن فهم واقع اجتماعي معين في وقت معين يستوجب فهم النظام الاجتماعي الذي يسمح للأشخاص بتقديم تعريفاتهم، ومن ثمَّ يجب الانتقال من "ما؟" الموجودة إلى"من؟" المحددة اجتماعياً. فالمجتمع بوصفه واقعاً موضوعياً وذاتياً لا يمكن التسليم بمظهريه هذين إلا إذا نظرنا إليه على أنه عملية جدلية (ديالكتيكية) تتكون من ثلاث لحظات تُجسَّدُ فيها الأفكارُ الباطنية ثم تستبطن.22
ولكن لا يجب أن تدرس هذه الأوقات وكأنها تجري في تسلسل زمني، لأن المجتمع وكل جزء منه يختص بالأوقات الثلاثة في آن معاً… ويصدق ذلك على الفرد، الذي يخرج ذاتيته إلى العالم الخارجي بالتزامن مع استبطانها كواقع موضوعي. وبعبارة أخرى فإن الوجود في المجتمع يعني المشاركة في هذه الديالكتيكية.23 ومن ثمَّ فالبناءات التقديرية ليست إذن مجرد انعكاس سلبي للبناءات الاجتماعية التي نبعت من وسطها، فهي تتمتع بنوع من الاستقلالية عن جذورها الاجتماعية، بل لها القدرة على التأثير فيها؛ فالأفعال "المنتَجة" تتحول إلى "مُنْتِجَة" بعد حين وأما المجتمع فهو نتاج إنساني وواقع موضوعي في الوقت نفسه.24
وهذا ما شخصه من قبل عالم الاجتماع الألماني جورد زيمل George Simmel عند تحليله للثقافة في عمليتين: تتمثل الأولى في استقلالية الأشياء عن ظروف نشأتها الموضوعية، وتتمثل الثانية في الشكل أو الصورة التي يجسد فيها الأشخاص بطرائق متباينة الواقع الاجتماعي، ومن ثمَّ كان موضوع دراسته المركزي متمثلاً في العلاقات الغامضة والصعبة الكائنة بين الموضوعية والذاتية، وبين المضمون والشكل، وبين النظرة المنطقية والنظرة العاطفية، وبين وجهة نظر الرجل والمرأة. فالظواهر الاجتماعية -في رأيه- ظواهر نفسية، لكن تفاعل الأفراد مع بعضهم البعض يحولهم إلى مجتمع، أي إلى "وحدة بالمعنى الإمبريقي". إن المضمون -إذاً- ذو طابع نفسي: يتكون من غرائز، وميول، وحالات الأفراد وأهدافهم. ولكن تفاعل الأفراد تبعاً لأشكال اجتماعية معينة يحولهم إلى مجتمع. ومع ذلك يبقى البناء الاجتماعي لا يمكن فصله عن المحتويات النفسية اللصيقة بالواقع إلا بغية التحليل. ونتيجة لذلك، لا يمكن تفسير تكوين المجتمع بصفته واقعاً موضوعياً مستقلاً إلا انطلاقاً من ذاتية عناصره المكونة له.25
وأما الأسباني أ. بيريز-أغوط Perez-Agote فهو يفرق بين الزمن الظاهراتي (الفينومينولوجي) الذاتـي والزمن الورائي أو الموضوعي: "إن المنهج الظاهراتي عبارة عن زمن تحليلي، موجه لمعرفة تصورات واقع الفاعلين الاجتماعيين وتحديد أنماط سلوكهم، وهو ما يمثل جزءاً من الواقع. أما أن يكون لتصورات كل عصر حياة مستقلة، وأن تكون محددة وليست محددة، وبدون أصل تاريخي، ولا آليات إنتاج وإعادة إنتاج، ولا بناءات للمعقوليات؛ فتلك هي المثالية".26 وهذا يعني أننا بحاجة إلى زمن ثان تحليلي بغرض دراسة الظروف التاريخية-الاجتماعية لإنتاج التصور وإعادة إنتاجه. إنه زمن التحديدات البنائية الموضوعية والآليات الاجتماعية.27 ومن ثمَّ، فإن الواقع وتصوراته هي عناصر أساسية لفهم الحياة الاجتماعية وتفسيرها. ومع ذلك فعلى الرغم من علاقتهما المتبادلة المشكلة للواقع الاجتماعي، فإنهما مختلفان من الناحية التحليلية. ومن ثمَّ، فقد يكون من المفيد إقامة ثنائية بين البُعدين، وذلك لتمكيننا من دراسة طبيعة العلاقة التي تربط بينهما ومدى هذه العلاقة وآثارها في بناء الواقع الاجتماعي. إن هذه الاستراتيجية التحليلية تفترض أن يكون البُعدان، (الموضوعية والذاتية)، ممكنين على حد سواء؛ ولكنهم -كما أشار ماكس فيبر في حالة المادية والروحانية- لا يصلحان إلا في العمل التمهيدي، أما إذا أردنا أن يكون هدفاً للبحث، فكلاهما غير مناسب لخدمة الحقيقة التاريخية.28 وهذا لأنه، وعلى الرغم من اعتراف فيبر في نهاية كتابه الشهير: الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، "يعجز الإنسان الحديث عن تصور المدى الفعلي لتأثير الأفكار الدينية على السلوك في الحياة، والحضارة…"، فإنه لم يكن ينوي استبدال التصور الأحادي "المادي" للثقافة والتاريخ بتصور أحادي "روحي" مناقض، فكلاهما ممكن، وإنما أراد فقط بعمله هذا وصف العلاقات التي تشير لا محالة إلى تأثير الأفكار الدينية في الحياة "المادية" للثقافة عموماً والأفكار البروتستانتية في كل ما يميز الحضارة الحديثة خصوصاً.
وتجدر الإشارة هـنا إلى أن ماكس فيبر لم يكن منصفاً ولا جادّاً في معالجته للإسلام عبر تعليقاته المتناثرة حول: نشأة الإسلام، وشخصية النبي ، وفكرة الله  والإنسان في الإسلام، والإسلام السني والتصوف، ومسألة الحكومة الوراثية، وتدهور الدولة العثمانية وسقوطها… وذلك بخلاف ما فعل عند معالجته لليهودية والمسيحية. فهو -عند براين تيرنر- من أوائل علماء الاجتماع الذين تخلوا عن تصوراتهم الفلسفية عندما أبدى ملاحظاته حول الإسلام.29
وختاماً لهذا العرض يمكن التذكير بأن مشكلة هذه الثنائية تعبر بالضرورة عن الصراع المزمن -والمميز للفكر الاجتماعي الغربي- بين العقل والدين، والحس والتصور، والواقع والقيمة، والموضوع والذات. إن هذه الثنائية القطيعة بين الموضوع والذات التي تمثل الميزة الرئيسة للعلوم الإنسانية بل لأي نوع من أنواع المعرفة في الحضارة الغربية أصبحت منذ مدة مهيمنة على الفكر العالمي، ومنه العالم الإسلامي الذي أصبح معظمه تابعاً ومقلداً، بل ومتحمساً لها في بعض الأحيان. ومن ثمَّ، فقد تجد من المفكرين الاجتماعيين المسلمين والمدرِّسين للمواد الاجتماعية، وذلك على المستويين النظري والمنهجي. بينما الأصل في المنطلقات المعرفية المؤطرة للفكر الاجتماعي في العالم الإسلامي أنها تنفي هذا التناقض. فمصادر الفكر الإسلامي (بناءً على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمصطلح الشرعي) تقرر تجاوز تقرير الحقائق إلى تقويمها، حتى تستوجب إتباعَ تشخيص الواقع الاجتماعي بتقويم هادف له: "إن إضفاء الصبغة الإسلامية على العلوم الاجتماعية لا بد أن يبيِّن العلاقة بين الواقع المدروس والنموذج الإلهي المناسب له، كما أن تحليل ما هو كائن ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار ما ينبغي أن يكون."30 ثم إن النموذج الإليهم -كما يضيف عليه الدكتور إسماعيل الفاروقي- ليس غائباً منقطع الصلة بالواقع، إنه واقعي بمعنى أن الله تعالى قدر احتواء الواقع إياه، فله نوع من الوجود الفطري غرسه اله برحمته في الطبيعة الإنسانية فرداً أو جماعة أو أمة بوصفها تياراً مستمراً للوجود يستخرجه العمل المعنوي إلى حيز الفعل والتاريخ. ولهذا فإن كل تحليل عملي إسلامي يجب أن يحاول كشف هذا النموذج الإلهي الموجود بالقوة في الشؤون الإنسانية وإبراز ذلك الجزء الفعلي منه وكذا الكشف عن عوامل تحقيق اكتمال عملية الاحتواء أو فاعليتها.31
ثم إن المسؤولية الأخلاقية، في المنظور الإسلامي، تجعل المسلم يراجع نفسه دائماً ولا يقبل بواقعه المتخلف ولا بتقصيره في أدائه، لأن مبدأ الاستخلاف في الأرض المقرون بالتسخير الإلهي لسائر الكائنات قد أسس له حرية الإرادة بجعله مسؤولاً مسؤولية شاملة ومتميزة بمنية أساساً على العلاقة التوحيدية الإيمانية بالله.
إن هذا النمط من المسؤولية لا يمكن إلا أن يؤسِّس نموذجاً متميزاً من الإنسان ومن الحضارة، كما لا يمكنه إلا أن يدفع الباحث الاجتماعي المسلم إلى العمل على تحقيق ما استطاع من النمط الاجتماعي المثالي باستمرار، ولذا فهو لا يعرف الحياد الأخلاقي، لأن القواعد الأخلاقية (التي تحددت في الإسلام وفق خطاب الوحي الإلهي) هي أساس بقاء الأمم واستمرار الحضارات.
بين البناء والفعل الاجتماعيين
إن المعضلة الثانية التي تواجه علم الاجتماعي مشكلة العلاقة بين البناء الاجتماعي والفعل الاجتماعي، ويمكن تلخيصها في التساؤل الآتي:
إلى أي حد نكون فاعلين اجتماعيين مبْدعين نبني ونراقب بفاعلية ظروفَ حياتنا؟ أم هل أن الأمر على العكس من ذلك، حيث إن جزءاً كبيراً مما نقوم به هو نتيجة البناءات الاجتماعية التي نحن مجرد حاملين لها؟
لقد أثار هذا التساؤل وجهات نظر حادة صنفت تحت عدة تسميات من بينها: الجبرية والتعاقدية الاجتماعية.
إن المنظور الأول: الجبري يذهب إلى"دراسة البناءات الاجتماعية والتوجهات اللاشخصية التي يكون فيها الأفراد مجرد حاملين لقوىً غريبة عن ضمائرهم وإرادتهم."32
أما المنظور الثاني: الذي يمكن تسميته تبعاً للإسباني لامو دي اسبنوسا Lamo de Espinosa بـ"التعاقدية الاجتماعية" (Contractualismo Social)، فهو يرى أن "كل الحياة الاجتماعية عبارة عن مجرد بناء ذاتي أو بينذاتي مقام بحرية".33 فالمنظور الجبري يركز على الطابع الخارجي والقدرة القهرية للحدث الاجتماعي الدوركايمي: "إن هذا النوع من السلوكيات والأفكار (القواعد القانونية والأخلاقية، والاعتقادات الدينية، والأنظمة المالية… إلخ) ليست خارجية عن الفرد فقط، بل تتمتع أيضاً بسلطة إلزامية وقهرية تجعلها تفرض عليه أراد أم لم يرد"،34 بحيث إنه إذا حاول الخروج عنها تقاومه بشدة. وأما إذا كان متفقاً معها، فإنه لا يكاد يشعر بقهرها أصلاً. وما يسميه دوركايم "قهراً" يعده برغر تبنّياً أو استبطاناً وامتلاكاً لواقع المؤسسات الاجتماعية الموضوعية، فهو يقول: "يواجه الفرد المؤسسات بوصفها معطيات من عالم موضوعي خارجي عنه، ليحولها إلى معطيات لوعيه الشخصي بعد استبطانها".35 وكما سبق، فإن جميع المحاولات الاستبطانية الحدسية مرفوضة عند الفيزيقيين ومن بعدهم الوضعيين.
أما التعاقدية الاجتماعية فهي على العكس من ذلك، ترفض هذه الحتمية الاجتماعية مركّزة تحليلها على الفعل الاجتماعي بالمعنى الفيبري.
ومما يزيد الطين بلّةً تحت أرجل هذه الثنائية هو الاختلاف حول ماهية البناء الاجتماعي نفسه، وما إذا كان الفاعل الاجتماعي يقتصر على الفرد أم يتعداه ليشمل أيضاً الجماعات مثل الحركات الاجتماعية وغيرها.
وعادة ما يُقصد بالبناء الاجتماعي في معناه الضيق، مجموعةُ النظم أو شبكةُ العلاقات الاجتماعية، مع التفاوت في تحديد أطراف هذه العلاقات. هل تربط بين مراكز اجتماعية، جماعات أو أفراد، أو بين الكل؟. وقد أضاف بعض الكتاب الثقافة (المؤسسات الذاتية والقيم والمعايير المشتركة التي تتجسد في ثقافة وطنية أو فرعية)، وأضاف البعض الآخر مثل اسبنوسا: الأشياء المادية أو المشّيئة كالعمارات، والمدن، والحضارة،…إلخ.36
أما فيما يخص الفاعلين الاجتماعيين، فإن بعض المقاربات النظرية التي تفرعت عن السلوكية الاجتماعية (Social Behaviourism) مثل التفاعلية الرمزيّة، تؤكد أن هؤلاء هم الأفراد. وهو ما أشار إليه فيبر بقوله: إن الفعل الاجتماعي لا يوجد إلا بوصفه سلوكاً لشخص واحد أو عدة أشخاص منفردين، إلى درجة أنه يصبح من المناسب، بل من الضروري دراسة التشكيلات الاجتماعية (الدولة، والتعاونيات، والمؤسسات… إلخ.) وكأنها أفراد، سواء كان ذلك لأغراض معرفية أو تطبيقية، وذلك على الرغم من أنه هذه الأخيرة تعد بالنسبة للتأويل الاجتماعي تطوراً وتشابكاً لأفعال محددة يقوم بها أشخاص منفردون.37 أما الفرنسي آلان توران Alain Touraine ، فقد رأى -في معرض حديثه عن علم اجتماع الفعل- أن الفاعل الاجتماعي كائن جماعي (الحركات الاجتماعية).38
وعلى العموم، فقد أبرزت نتائج بحوث مختلف المدارس السلوكيّة الاجتماعية (السلوكيّة المتعددة، والتفاعليّة الرمزيّة، ونظرية الفعل الاجتماعي…) مفاهيم شهيرة منها: التقليد، والاختراع، والإبداع، والاتجاه، وتعريف الوضعية، والأنا -المرآة… وأما منظرو الفعل الاجتماعي على الخصوص، فقد تابعوا تطوير "النموذج المثالي" وسيلة توفر الدقة للمنهج المقارن.39
وأما فيما يتعلق بالعلاقة بين الفعل والبناء الاجتماعيين، فإن هناك محاولاتٍ توفيقية إدماجية للقطبين، تحاول إعادة بناء شبكة المفاهيم والنماذج الخاصة بالبناء (نسق، ونظام) والفعل بغية تحقيق معرفة موحدة لما هو منسجم وغير منسجم مع الواقع الإنساني، وفهْم (وتفاهم) مختلف التنظيمات الاجتماعية وتجاوز التناقضات المنهجية العقيمة. ومن بين هذه المحاولات تلك المتجسدة فيما يسمى بالعمليات التوحيدية: "العادة" (Habitus)عند بورديو، "والعرضية المزدوجة" عند لوهمان Luhmann ، و"نظرية الهيكلة" أو "ازدواجية البناء" عند جدنز A.Giddens التي سنفصل فيها الكلام بعض الشيء:
يرى جدنز أن الفعل والبناء بُعدان يمثلان وجهين لعملة واحدة، ومن ثَمّ لا يمكن دراستهما منفردين، فهما يشكلان ثنائية كاملة. وتتلخص نظريته فيما يأتي:
"تتكون البناءات الاجتماعية من أفعال وعلاقات إنسانية تزودها بنظامها وتكرارها عبر مراحل زمنية ومسافات مكانية. وهكذا فإن أفكار إعادة الإنتاج الاجتماعي تكون في التحليل الاجتماعي وثيقة الارتباط. ويجب أن نفهم المجتمعات الإنسانية عمارات يعاد بناؤها في كل مرة بنفس اللبنات المكونة لها. إن أفعالنا جميعها، تتأثر بالخصائص البنائية للمجتمع الذي ننشأ ونعيش فيه؛ وفي الوقت نفسه، نعيد إنتاج (وإلى حد ما نعدل أيضاً) هذه الخصائص بأفعالنا."40
إن الكائنات البشرية هي صانعة التاريخ والمجتمع، لكن عملها هذا يتم بشروط وظروف خارجية. وبكلام آخر، إن الفاعلين الاجتماعيين، ببنائهم لعالمهم، يشيدون جدران "سجنهم"، أي أنهم يسهمون بفعالية في أسر أنفسهم (كما ذهب إلى ذلك بيتر برغر)، وإن لم يكن ذلك بصفة نهائية ومطلقة. لأن إمكانيات التفكير الاجتماعي، والمفاجآت، والقدرة على التعديل والتغيير، تسمح بدخول هامش الحرية إلى الحياة الاجتماعية. ولكننا إذا انطلقنا من مقاربات "جبرية" سنخلص إلى القول بأن الإنسان نتاج للمجتمع. وعلى العكس من ذلك، فإذا انطلقنا من مقاربات "تعاقدية اجتماعية" فسنصل إلى نتيجة مفادها أن المجتمع نتاج للكائنات البشرية. إن كلا المقاربتين ممكنتين، لكن بما هما نقطة انطلاق فقط، ومن ثمَّ فهما غير ممكنتين البتة إذا تحولتا إلى هدف نهائي للبحث: فالزمن "الجبري" يجب أن يستكمل بالزمن "التعاقدي".41
أما الفكر الاجتماعي الإسلامي الذي يجب أن يصدر في ثباته وتطوره عن توجيهات الوحي الإلهي وعن قراءة جادة له وللكون معاً، فإنه مع إقراره بسنن المجتمع الثابتة وقوانينه المحكمة والضابطة لمختلف ظواهره، فإنه ينفـي عنها استقلاليتها وقداستها، بل يؤكد -خلافاً للفكر المادي- أن هذه السنن والقوانين ليست من لوازم ذات المجتمع بل هـي مقدرة وموزونة بحكمة الله تعالى. ثم إن هذه المرجعية الإلهية الأولى لا ينبغي أن تفسر على أنها جبرية قاهرة لحرية الإنسان وفاعليته. فإذا كان الإنسان خلق بفعل إلهي، فقد كرم منذ نشأته بمادة وعقل وروح، ثـم استخلف في الأرض ليخبر بين الارتقاء والانحطاط. ولا يعقل استخلاف وتخيير ولا تكليف بدون حرية. وأحسب أن قضية هل الإنسان مخير أم مسير قد نالت0 حقها وزيادة في الفكر الإسلامي، ويمكن الرجوع لأمهات كتب أهل السنة والجماعة لمزيد من التفصيل.
وأخيراً تجْدُرُ الإشارة إلى أن الاستخلاف هو استخلاف رعاية وإعمال وإدارة وتسخير، أصبحت بها المخلوقات جميعها بإمرة الإنسان. ومنطلق الاستخلاف لدى الفرد المسلم يحدد غاية مطالب المخلوقات الفطرية ويرشدها، فتصبح بذلك مطالبَ سعي إلى الخير وإلى الرعاية وإلى الإعمار، أي تسخير الكون والكائنات لما فيه الخير. فالإنسان المستخلف (المسلم) تختلف نظرته لنفسه، وللكون والوجود والحياة عن نظرة غيره التي عادة ما تقوم على أساس القهر والتصادم والصراع والقلق والإفساد للكون والآخر وللنفس: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً (طـه: 124). لهذا كان هذان المنطلقان مهمين لبيان سلامة أول خطوة من خطوات التعمير والاستخلاف، إلاّ وهي التسخير لأجل العبادة (في شمول مفهومها).

بين الكليّة (الجمعيّة) والذّريّة (الفرديّة)
إن الثنائية الثالثة التي تثير جدل علماء الاجتماع وثيقةُ الصلة بالمعضلة السابقة وتتمثل في الصراع بين الاتجاهين الكلي (الجماعي) والذري (الفردي). إن هذه المفارقة تستلزم إحياء المواجهة الكلاسيكية بين "الاتجاه الواقعي" و "الاتجاه الاسمي" في علم الاجتماع. ويبحث هذا الصراع في أسبقية الوجود بين الفرد والمجتمع، أي بين أنصار أصالة المجتمع وأنصار أصالة الفرد.
فالواقعيون ينفون وجود الفرد خارج الجماعة لأن هذه الأخيرة أسبق وجوداً وتاريخاً من الفرد، ومن ثَمَّ فإن ظواهر مثل الدين واللغة وغيرهما من النظم منبثقة من طبيعة المجتمع، وليس وجودها متعلقاً بوجود الأفراد وتفكيرهم، بل هي واقعية وشيئية تدرس على أساس أنها حقائق موضوعية خارجية ومنفصلة عن مشاعرنا الداخلية وأفكارنا الخاصة ومبلغ انعكاس الذات وارتباطها بها.42
أما "الاسميون" فهم يؤمنون -على العكس من ذلك- بالفردية المطلقة، ويذهبون إلى القول بأن الفرد أسبق في الوجود من المجتمع وهو النواة والمحرك لكل نشاط اجتماعي، ومن ثمَّ فهم يقررون استقلالية الفرد الذاتية. ومن جهة أخرى، فهم يذهبون إلى أن نظم المجتمع وظواهره المختلفة هي مجرد "أسماء" (ومن هنا أتت تسمية مذهبهم) اصطُنِعت للتعبير عن ماهية الوضعيات الفردية ولا وجود لها بالمعنى الاجتماعي الواقعي.43 فالمجتمع عبارة عن خيال ولا يوجد في الواقع سوى أفراد متفاعلين. وقد صنف هؤلاء ضمن الاتجاه الوضعي الحديث الذي هو اتجاه ذري تحليلي. وأنصاره كمثل الذين لا يرون الغابة، بل يرون أشجارها فحسب، حسب تعبير محمد عارف؛ فالمجتمع بالنسبة لهم مجرد جمع من الأفراد وتجميع لأفعالهم الاجتماعية، بحيث ليس هناك وراء ذلك حقيقةٌ موجودة تسمى مجتمعاً. وأما ثقافة المجتمع فهي مجرد تجميع لسمات تقوم في منطقة معينة وفي زمن محدد.44 وإذا كانت قواعدهم المعرفية هذه وما يترتب عنها من قواعد منهجية قد تسمح لهم بدراسة بعض مظاهر الواقع الاجتماعي الذرية، فإن دراستهم للبناءات الاجتماعية والثقافية الواسعة النطاق قد أوقعتهم في ورطة: "فإما أن يتجاوزوا عن بعض القواعد المعرفية والمنهجية التي يمليها عليهم الاتجاه الوضعي، وإما أن يقتصر مجال دراستهم على تلك الظواهر المحسوسة ذات النطاق الضيق".45
وانعكست هذه الآثار على أنصار طرفي هذه الثنائية، إذ يذهب "الكليون" (Holists) إلى أن خصائص الجماعات والفئات والمؤسسات الاجتماعية هي هيئات لها وجود خاص وتتمتع باستقلالية ذاتية خارج الأفراد الذي يكونونها، في حين يميل أنصار الذرية المنهجية إلى الاعتقاد بأن الظواهر الجماعية والمؤسسيّة تفسَّر بالسلوك الفردي الذي يكون في أغلب الأحيان إرادياً ويحمل معنى ذاتياً عند أصحابه.46 ومن جهة أخرى، فإن تركيز هؤلاء على تأكيدات فيبر حول الفعل الاجتماعي ذي الطابع الفردي، يحول ميدان الأفعال الجزئية (micro-sociological) (الحياة اليومية، والتجارب العادية…) إلى مستوى التحليل الأوحد الممكن، كما حدث مع مختلف المقاربات التي تلتقي مع هذا المنظور الفردي مثل التفاعلية الرمزية، والظاهرتية (الفينومنولوجيا) والأنثنوميثودولوجيا.47
ولكن هناك من الكتّاب من حاول -مثل بيتر برغر P. L.Berger -تجاوز هذين المنظورين مقرراً أنه إذا كان انصهار الفرد في الجماعة إمبريقياً ومستحيلاً نظرياً وإن كان ذلك بسبب التنوع البيولوجي للأفراد، فإنه لا وجود لتنشئة اجتماعية ناجحة دون وجود تماثل بين العالم الموضوعي للمجتمع والعالم الذاتي للفرد، بل إن استمرارية المجتمع مرهونة بمدى نجاح هذه العملية.48
وفي السياق تأتي فكرة الخيال الاجتماعي (Sociological Imagination)التي قال بها رايت ميلز Wright Mills عام 1959 من أجل الربط بين "مستوى المجتمع أو البناء الاجتماعي ومستوى الفرد، وذلك انطلاقاً من مسلمة أساسية مؤداها أن حياة الفرد أو تاريخ المجتمع لا يمكن فهم أي منهما دون فهم الآخر وإدراك العلاقة التي تربط بينهما. فإذا كان الأفراد لا يملكون القدرة على فهم العلاقة بين الإنسان والمجتمع، أو بين تاريخ الإنسان وتاريخ المجتمع، أو بين الذات والعالم المحيط بها، فإنـهم بحاجة إلى مجموعة من المهارات العقلية تمكنهم من تكوين فكرة جلية عمّا يدور حولهم وما سوف يحدث لهم تأثراً بهذا العالم. هذه القدرة هي ما أطلق عليها رايت ميلز عبارة "الخيال السوسيولوجي."49
ولذلك يقترح رايت ميلز على الباحثين الذين يقررون استعمال هذا الخيال أن يكونوا "حرفيين مهرة": "ابتَعِدُوا عن كل عملية صارمة… تجنّبوا تقديسَ المنهج والتقنية…، ليكن كل فرد هو المرجع المنهجيّ والنظريّ لنفسه؛ والنظريّة والمنهج مجرد جزء من ممارسة المهنة… كونوا عقولاً تواجه بنفسها مشاكل الإنسان والمجتمع."50
ومع ذلك، تبقى مثل هذه المحاولات التوفيقية محاولات نقدية غير أصلية للاتجاهين معاً مهما بلغت حدتها، لارتباطها أصلاً بمرجعيتها الأيديولوجية المتوترة والمتأصلة في الفلسفة اليونانية التي تتميز بنـزعتها العلمية المادية التي تفصل بين الواقع والعقيدة، فهي مجرد تطوير لبعض المفاهيم الوظيفية أو الماركسية.
وعلى العموم، فإن معظمها جعل من تباد الانعكاسات بين الفرد والمجتمع محوراً مشتركاً، إذ إن فاعلية أحدهما دون الآخر تظل نسبية من حيث الغلبة. فإذا أمعنّا النظر نجد أن كل المحاولات التقليدية أو التأليفية "لا تنفي فاعلية كل من الفرد والمجتمع بقدر ما تؤكدها من جانب وتنـزعها من الجانب الآخر، تبعاً لمتطلبات الموقف الأيديولوجي؛ فاليسار يؤكد فاعلية المجتمع من خلال اعتماده البُعد الاقتصادي (بالنسبة للكلاسيكيين) والسياسي والثقافي (بالنسبة للمحدثين) وانعكاسه على الأفراد، ولكنه ينفي ذلك حينما يستهدف تغيير المجتمعات من خلال الصراع مؤكداً بذلك فاعلية الأفراد… واليمين الجديد يؤكد فاعلية الفرد حينما يستهدف لفت النظر إلى فاعلية الذات والوعي،… إلخ، ولكنه في الآن ذاته يؤكد فاعلية الأبعاد الاجتماعية وانعكاساتها أيضاً على الأفراد".51
وهكذا، يستمر الصراع في علم الاجتماع بين الاتجاهين "الجماعي" و "الفردي" معيداً إنتاج الثنائية الأيديولوجية: "الاشتراكية" و "الليبرالية"، المتجذرة في أعماق الفلسفة الاجتماعية الغربية؛ مما قد يجعلنا نعي أن الصراع أيديولوجي، ومن ثّمَّ نقرّ بأهمية المرجعية الحضارية في علم الاجتماع خاصة والعلوم الإنسانية عامة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس من المستبعد أن دافع الاعتقاد بأصالة المجتمع أو الفرد هي المسائل الحقوقية التي جعلت البعض يفكر في سبل التضعيف النظري والعملي للأنظمة الفردية (التي حملوها مسؤولية ظلم الأكثرية للأقلية)، محاولين التمسك بأدلة فلسفية ومن علم النفس لتصبح رصيداً علمياً لأصالة المجتمع وتبعية الفرد وفرعيته، وذلك بهدف صيانة الحقوق السياسية والاقتصادية والقضائية لأكثرية المجتمع من أن تصبح معرضاً لتعدي الأقلية"،52 والبعض الآخر يفكر في طرق التضعيف النظري والعملي للأنظمة الشمولية (الاشتراكية والشيوعية) فحملوها مسؤولية التخلف والاستبداد. والموقف الإسلامي العام في هذه المسألة الحقوقية محكم وواضح جداً، فهو يعتمد على قاعدة لا إفراط ولا تفريط، مقيِّداً السلطة المطلقة للدولة والحرية المطلقة للفرد.
ومع ذلك فقد نجد في أوساط المفكرين المسلمين بعض الآثار لإشكالية أصالة الفرد أو المجتمع، وذلك من خلال الجدال الدائر بين أصحاب الاتجاه الاجتماعي والاتجاه الفردي، الذين اختلفوا في تأويل بعض آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بموارد استعمال كلمات مرادفة لكلمة "المجتمع" (التي لم تستعمل في القرآن الكريم)، وعلى رأسها كلمة "الأمة".
لقد اختلفوا في تقدير وحدة وجود المجتمع ومن ثَمَّ أصالته. فيذهب فريق منهم إلى الاعتقاد بالوجود الحقيقي للمجتمع (الأمة) وأصالته معتمدين في ذلك على ما تنسبه بعض الآيات القرآنية لـ"لأمة" من أعمال خاصة وأنماط سلوك معينة مثل: الهداية، والعدل، والتكذيب، والقيام، والتلاوة، والإيمان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفعل الخير، والعدل والاقتصاد (الأعراف: 159، 181؛ المؤمنون: 44؛ آل عمران: 113؛ المائدة: 66)، ومن كون "الأمم "أهلاً للثواب والعقاب ولك ل منها موت خاص وحياة خاصة (يونس: 47؛ غافر: 5؛ الأعراف: 24؛ يونس: 49؛ الحجر: 5؛ المؤمنون: 43)، فضلاً عن نسبة بعض الآيات العملَ الصادر من أحد أفراد المجتمع كله (قصة عقر ناقة ثمود: القمر: 29؛ الأعراف: 76).
أما الفريق الثاني فيرى أنه ليس صحيحاً من وجهة النظر القرآنية القول بأن المجتمع (الأمة) يصبح منشأ لآثار معينة، وله أعمال تمتد عواقبها وتبعاتها لتشمل جميع أفراد المجتمع. فالآيات القرآنية كأي محاورة معرفية أو خطاب عقلي تؤكد تعميمات، وإذا كانت هناك استثناءات فإنها توضحها، ثم إن الدين الإسلامي عموماً يتضمن "محكمات" تُعدُّ من ضروريات الدين ولا يرتفع إليها أي شك، وفيه أيضاً "متشابهات" يجب تفسيرها وفهمها على أساس تلك "المحكمات". ومن أوضح المحكمات في هذا المجال أصل المسؤولية الفردية عن الأعمال: أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى . ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (النجم:38-41).
وتبعاً لذلك يقترح مالك بن نبي في معرض حديثه عن حل مشكلة الحضارة حل مشكلة الإنسان أولاً، الذي يؤثر في المجتمع بثلاثة مؤثرات: فكره، وعقله وماله. مما يجعل فكرته الدينية معنى (الجماعة) ومعنى (الكفاح) -منوطة بتوجيهه في نواح ثلاث: الثقافة، والعمل، وراس المال.54 ولهذا يؤكد أن قضية التغيير تكمن في أنفسنا، في الإنسان الذي إذا تحرك، تحرك معه المجتمع والتاريخ، وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ وفقاً لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم(الرعد: 11). هذا هو المعنى العام للفاعلية وشرطها الأول المحدِّد لموقف الإنسان إزاءها بصفته صانعاً للتاريخ ومحركاً له. "إن علينا أن ندرس أولاً الجهاز الاجتماعي وهو الإنسان، وليست الأدوات ولا الإمكانيات الأخرى."55
ومع ذلك، فإن مالك بن نبي يلاحظ أنه "إذا توجهنا إلى الفرد لكي نعالجه على أنه مصدر الصعوبات والمشكلات، التي تنشأ في المجتمع ويعود تأثيرها فيه وفي أسرته وأولاده، فإنه ينبغي لنا أن نلاحظ أن قيمته تتضمن معادلتين: معادلته بصفته إنساناً، أي معادلته كائناً طبيعياً خلقه الله ووضع فيه تكريمه وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ (الإسراء:70)، وهذه المعادلة لا تمسها يد التاريخ بتغيير، ومعادلته كائناً اجتماعياً، وهي التي تكون ميزة الفعالية فيه وتُعْلي من قيمته الاجتماعية في ظروف معينة. وهذه المعادلة تعترضها طوارئ التاريخ وعوارض الزمن… ولو أننا قد صححنا معنى الإنسان في أذهاننا، إذن لأدركنا مباشرة السبب في أنه يجرك التاريخ أحياناً، وأحياناً أخرى لا يحرك ساكناً، في حين أن الإنسان في كل الظروف هو الإنسان الذي كرّمه الله . (وهذا يجبرنا على أن نقدر أن معادلتي الإنسان بقيمتيه) هي التي تحدد فعالية الإنسان. إنسان في جميع أطوار التاريخ لا يتغير فيه شيء، بل تتغير فعاليته من طور إلى طور. وهذا يعني أن شخصيته ليست بالبسيطة، وإنما هي مركبة تشتمل على عنصر ثابتٍ يحدد كيانه إنساناً، وعنصر متغير يحدد قيمته كائناً اجتماعياً".56
ولكننا نعتقد، انطلاقاً من مرجعيتنا الحضارية الأزلية، أن المشكلة لا تكمن في فاعلية المجتمع أو الفرد (بتيهها الفلسفي المتعلق بأسبقية الوجود وأولوية التأثير) بقدر ما تكمن في فصل العقيدة عن كليهما، مثل ما يشترك في ذلك طرفا الثنائية -كما مرّ بنا- : "ليكن كل فرد هو المرجع المنهجي والنظري لنفسه"، أو "فإن ظواهر مثل الدين واللغة وغيرهما من النظم منبثقة من طبيعة المجتمع وليس وجودها متعلقاً بوجود الأفراد وتفكيرهم أو أي قوة خفية، بل هي واقعية وشيئية تدرس كحقائق موضوعية"… إلخ؛ بينما الأصل أن كليهما مرتبط بالرسالة الإلهية، وأن الإخفاق في التعامل مع أحدهما أو كليهما ناتج عن ضعف الارتباط بالعقيدة ومنهجها الرباني: "فالدنيا لا ينظر إليها على أنها صدفة عادية… ولكن على أنها وحدة إيجابية تامة بذاتها، لهذا فقد اتسم المنهج الإسلامي للحياة البشرية بالواقعية والاستجابة لطبيعة الإنسان، وطبيعة الظروف التي تحيط بحياته في الكون".57 وهذا يعني افتراض محورية الإيمان بالله  بدلاً من محورية كل من الفرد والمجتمع لأن كليهما حادث مخلوق لله تعالى. وطبيعي أن تكون لكل منطلق من المنطلقات السابقة، سواء بالنسبة للتصور الغربي أو الإسلامي، مفاهيمه ومنهجيته وتطبيقاته وتحليلاته.
بين التحليل الجزئي والتحليل الكلي
يعد جورج غرفيتش G. Gurvitch من الأوائل الذين تعرضوا بجدية لمشكلة التحليل الجزئي والتحليل الكلي وإمكانية الجمع بينهما. وما زالت هذه الثنائية تثير نقاشاً واسعاً، خاصة في أوساط علم الاجتماع الأمريكي. ولكن قبل الخوض في ذلك، يجب تحديد مفهوم الظاهرتين.
بداية، يجب توضيح ما إذا كان هذان المصطلحان يعبران عن حقائق إمبريقية، وماهية هذه الحقائق. أو أنهما على العكس من ذلك -وكما يرى جيفر ألكسندر G. Alexander، مفهومان تحليليان بدون مرجعية إمبريقية قد توحي بظهور مستويات داخل وحدات إمبريقية. وفي الحالة الأولى، قد يكون من المناسب معرفة إلى أي حد يقتصر النقاش في نهاية الأمر على إعادة إنتاج ثنائية "البناء والفعل" الكلاسيكية التي استعرضناها آنفاً.
ومع ذلك، هناك ميل نحو الجمع بين القطبين التحليليين والتوفيق بينهما. ومن المتحمسين لذلك، جورج ريتزر G.Ritzer وجيفري ألكسندر اللذان كانت محاولتهما ذات طابع نظري عام مبالغ فيه. وذلك بخلاف أعمال أخرى عرض بعضها لإشكالية الجزئي (Micro) والكلي (Macro) في المستوى التطبيقي وطبقها على موضوعات محددة مثل: دراسة الصراع ز. كولينس R.Collins-؛ وبعضها الآخر عندما حاول مؤخراً تحليل الفعل الجماعي والحركات الاجتماعية المعاصرة كما فعل ك. إدر K. Eder في مقال حديث له،58 أو بعض المحاولات الأخرى التي وصفها ألكسندر نفسه "بالمراجعات النظرية" داخل كل من التقليد الكلي والجزئي، وفي المستوى الجزئي هناك محاولات كل من جوفمان Guffman لإعادة الاعتبار للاستراتيجيات الإبداعية للفاعلين الاجتماعيين لتحقيق البناء، وبكر Becker الذي انتقل في أعماله الأخيرة من نظرية في الانحراف الاجتماعي (أقرب إلى الميكرو) إلى نظريّة نسقية للإبداع؛ وفي المستوى الكلي هناك محاولات كل من سكوكبول Skocpol الذي أدخل العوامل الثقافية والدينية في نظرته البنائية، ومور Barrington Moore الذي عمد في أعماله الأخيرة إلى استبدال بالمتغير البنائي متغير الوعي، وكذلك هابرماس Habermas -زعيم مدرسة فرانكفورت النقدية- في نظرياته عن طبيعة المعرفة الإنسانية، ثم في نظرته للاتصال، التي درس فيها علاقة الاتصال بالسلطة في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، مقرراً أن "مجال الشرح لا يتوقف على مستوى عمومة المعرفة النظرية التي تخص بنية الحقيقة الخارجية التي يمكن النفوذ إليها من خلال الملاحظة، ولكن على معرفة البنيات العملية للحقيقة القابلة للفهم، أي حقيقة التأسيسات الرمزية المنتجة وفق قواعد".59
ونظراً لحداثة النقاش، فإن أهم ما يمكن استخلاصه حتى الآن هو تأكيد أن كلاًّ من "الكلي" والجزئي" يمثل مستويات أفقية متداخلة للملاحظة، ولا يمكن التفريق بينهما إلاّ بغيةَ التحليل، وهو ما عبر عنه غورفيتش من قبل بقوله إن القاعدة العامة لعلم الاجتماع تدلنا على أن علم الاجتماع الجزئي المتقن يؤدي في النهاية إلى علم الاجتماع الكلي والعكس بالعكس.60
ومهما يكن مستوى التحليل "بينشخصيا" (Micro) ، على مستوى مجموعات بشرية واسعة (Macro)أو بين المستويين، فإن المعضلات النظرية التي يجب أخذها بعين الاعتبار والمظاهر والعمليات التي يجب بحثها هي على العموم، وإن اختلف مظهرُها وطريقة دراستها تبعاً لمستوى التحليل المتبنى.
وقد يكون مرد آراء أنصار الاتجاه الكلي إلى الاتجاه النظري الخالص ومرد آراء الاتجاه المقابل إلى الاتجاه الإمبريقي الخالص. وقد نتج عن المواجهة الكلاسيكية بين الاتجاهين، أي بين المتحمسين للمحاولات ذات الطابع النظري العام والمتحمسين للمحاولات التطبيقية الجزئية، محاولات كثيرة اجتهدت في الربط بين الاتجاهين جمعها روبيرت ميرتون R. K. Mertonتحت اسم "النظريات الوسطى"، أي التي تتوسط الفكر النظري المجرد والحقائق الملموسة: "وهي محاولة قدمها ميرتون لسد الفجوة بين التجريدات النظرية العليا والقضايا الإمبريقية الواقعية. فالنظرية الوسطى هي تلك التي تقع بين الفروض العاملة التي تظهر في الممارسات اليومية، والجهود التي تحاول أن تطور نظرية عامة لتفسير مظاهر السلوك الاجتماعي والتنظيم الاجتماعي. ومن أهم النظريات المتوسطة المدى في رأي ميرتون نظرية الجماعة المرجعية والحرمان النسبي ونظرية زمرة الدور."61
ومع ذلك، هناك ميل لدى أنصار الاتجاه الكلي نحو وصف هذه المحاولة بالجزئية وبكونها مجرد تطوير للمحاولات التطبيقية وتزيين لها، فهي في أحسن تقدير تتجاوز قليلاً العروض الإمبيريقية وتقوم على أساسها.
وجدير بالذكر هنا أن التصور الإسلامي لهذه القضية، وإن كان يؤمـن بضرورة القضايا الكلية الأطروحة النظرية، يختلف عن الاتجاه النقدي الذي ينطلق من مقولات فلسفية مادية على الرغم من التلاقي معه نسبياً في موقفه الرافض للوضع القائم (إذا كان منحرفاً طبعاً) والداعي لتحليله وتجاوزه، ولكن وفق ضوابط معينة ونحو وجهة محددة تستجيب لمنطلقات إسلامية متميزة كلية عنه، لكنه طبعاً يعدّ القول بأن معرفة الكليات كافية في تحقيق العلم خطأ. كما أنه تصور يتميز من الاتجاه الثاني (الإمبريقي) لأنه يعتد أيضاً بما سوى المعلومات الكمية ويعتد بالتنظير والتجريديات النظرية العليا، كما يؤمن بأن الأصل هو أن مستويي التحليل الكلي والجزئي ليسا متناقضين، بل إن المشكلة تكمن في إتقان عمليات كل منهما. ولن يكون هناك إتقان بدون بوصلة معرفية مرشدة قوامها الوحي الإلهي. فالعقل أو النفس لا تكمل بالقوة العلمية النظرية، بل لا بد أن تدعم هذه القوة قوة عملية. يقول ابن تيمية: "إن النفس لها قوتان: قوة علمية نظرية وقوة إرادية عملية، فلا بد من كمال القوتين بمعرفة الله وعبادته".62 فيكون بذلك التحليل المتقن أو الكامل مشروطاً بمعرفة علمية مجردة يعضدها قول وعمل، أو أن يقترن الاثنان بمستلزمات الإيمان بالله  من خشية وعبادة.
بين الوفاق (Consensus) والصراع(Conflict)
من المعضلات الأساسية المتعلقة بالحياة الاجتماعية التي يعانيها علم الاجتماع ثنائية نظرية تعد في الوقت الحاضر من أصعب الثنائيات إدماجاً: "الوفاق" و "الصراع".
إن الصراع، بخلاف الوفاق، يعد عاملاً من عوامل التغير الاجتماعي وجزءاً من الفعل الاجتماعي. وهو إما أن يكون في القيم، والمركز، والسلطة، وإما في الموارد. وليس فقط بغية التغلب بل السيطرة أيضاً.63 ولكن هناك من اختزل الصراع في مجال واحد كما فعل ماركس (الطبقات)، وداروين (تطور الأنواع)، وماكيافيلي (أصل الأنواع)، ومالتوس (التنافس من أجل البقاء).
أما أنصار الوفاق الاجتماعي، فإن نقطة ضعفهم تكمن أصلاً في الصراع الاجتماعي، الذي غالباً ما يتجاهلونه ولا يقدرونه: إن كونت Comte، مثلا، كان يخاف الصراع الاجتماعي إلى درجة أنه كان يحلم بمجتمع طائفي منظم بطريقة استبدادية. أما سبنسر Spencer، فقد عزا الأشكال الكبيرة للتغير الاجتماعي إلى المجتمعات العسكرية الماضية، متوقعاً أن تقدم المجتمع الصناعي يجعل الحرب مستحيلة.65
إن قلة تقديرهم لدرجة الصراع قد ترجع إلى مبالغتهم في تقدير درجة الوفاق والانسجام والنظام، واهتمامهم بقضايا مثل: التضامن الاجتماعي، وشروط التوازن في التنظيمات الاجتماعية، والترابط بين الظواهر الاجتماعية وتركيزهم عليها مجالاً لدراستهم وتأويلاتهم.66 إن توجُّههم هذا يحث على دراسة الأحداث التاريخية من وجهة نظر تعد أن كل ما حدث لم يكن لابد منه فقط، بل تذهب إلى أنه أحسن ما يمكن فعله في حينه وأنه مرحلة ضرورية للتطور الموالي. فلم يكن يهمهم الصراع، ولا حتى الحرب أو التغيير، بقدر ما كانت تهمهم حتمية الحاضر بانسجامه واندماج مكوناته.67
وفي المقابل، اتجه معظم الوضعيين، ومنهم أنصار "الصراع الاجتماعي"، نحو تبني الصراع، بدلاً من الاندماج العضوي، مفتاحاً أساسياً للظواهر الاجتماعية، منطلقين في ذلك من أطر أيديولوجية معروفة (الماركسيّ’، والداروينيّة الاجتماعيّة، والمكيافيلليّة، والمالتوسيّة…) مما أدى إلى جعل الصراع نواة أية عملية اجتماعية. فغابت عن كتاباتهم مفاهيم وموضوعات منها: المجتمع الأصلي، والمراحل التاريخية المنظمة، والإنسانية، والعائلة… لتعوض عنها مفاهيم وموضوعات أخرى منها: ديناميكية الجماعات، وتوازن القوى، والدولة.68
وقد انعكست سلبيات هذه الثنائية على الدراسات الميدانية، فجاءت موضوعاتها مختلفة على الرغم من وحدة مجالاتها وعيناتها. ومن ذلك، الدراسة الميدانية التي أجراها كل من ز. لويس R.Lewis عام 1950 وقبله بعشرين سنة ر. ردفيلد R. Redfield على قرية مكسيكية واحدة. حيث لام لويس من خلال نتائج دراسته، سلفه ردفيلد ومن خلالـه كل التصور السوسيولوجي الاندماجي، على إعطائه الواقع الاجتماعي المكسيكي صورة اندماجية مبالغاً فيها، مستقرة استقراراً مبالغاً فيه ومطعمة كلياً بنوع من الرومانسية الروسوية (نسبة إلى روسو) لمجتمع "بدائي"، مغفلاً بذلك عناصر التوتر والصراع… بدلاً من التركيز أساساً على هذه الأخيرة، التي يجب في نظره أن تكون بؤرة الدراسات في علم الاجتماع.69
وقد أدى هذا الجدل المعرفي والمنهجي حول مشكلة النظام الاجتماعي وطبيعة الواقع الاجتماعي إلى ظهور محاولات توفيقية كثيرة سعت إلى استيعاب دراسة كل من الوفاق والصراع، ولكن من وجهة نظر خاصة، بغية الربط بين الاتجاهين. وربما كانت أولاها محاولة تالكوت بارسونـز الذي عمل على تطوير مشروعه النظري ليشمل دراسة "الصراع" أيضاً مضفياً عليه طابع التطور، والمعيارية، وعدم الحتمية.
ثم تلتها محاولات أخرى قام معظمها على نقد كل من الوظيفية والماركسية لإفراط كل منهما في التركيز على بُعْدٍ واحد من أبعاد الحياة وإهمال البُعد الآخر.
إن بعض هذه المحاولات يرتبط بالوظيفة مهما اتسع حديثها عن الصراع منها محاولة لويس كوزر Lewis Coser وربطه الصراع بالتكامل والتوازن، ومحاولة فان دن برغ Van Den Berghe وتأليفه بين الهيجلية الماركسية والبنائية الوظيفية بتصفيتهما من نقاط ضعفهما وإظهار نقاط اشتراكهما…70، فضلاً عمن ذهب منهم إلى اسطلاح لفظ "المباراة" بدلاً من مفهومي الصراع والتنافس أو ما يقابلهما، ليجعل الفعل الاجتماعي شاملاً لمطلق التفاعلات: إيجاباً وسلباً… أو من حاول تجاوز هذا "الصراع والوفاق" ليربط الفعل الاجتماعي بطبيعة المواقف التي يواجهها الفاعل من خلال انعكاسات نسبية في وعيه تتحكم فيها محددات الزمان والمكان والأشخاص.71
وخلافاً لأحمد زايد، أقدر أن بعضها الآخر ينطلق من منظور ماركسي مهما بلغت نظريته النقدية للاتجاهين، مثلاً محاولة رالف دارندروف Ralf Dahrendorf الذي ركز في دراساته كلها على نموذج الصراع، على الرغم من قبوله نموذج التوازن والتفاعل الجدلي بين الوفاق والصراع. ومع ذلك فهو يرى أن نظريته في الصراع (الذي هو -في رأيه- وليد علاقات السلطة بدلاً من علاقات الإنتاج) تنتمي إلى ما يسمى بالنظريات الوسطى (Middle Range Theories)، متفقاً في ذلك مع صاحبها روبرت ميرتون Merton R. K.، فهو يقول: "أقدر -تبعاً لميرتون- أن الوظيفة الآنية للبحث السوسيولوجي تكمن في تكوين "نظريات في المنطقة الوسطى"، أي نظريات تنطلق من مشاكل أمبريقية أو توجه تبعاً لها."72
إن كل هذه المحاولات، وغيرها كثير، لم تتمكن من الانسلاخ كلياً من تحيزها الأيديولوجي المرجعي الماركسي أو الوظيفي، ومع ذلك فإنها تركت تأثيراً لا يمكن إنكاره في البحوث الإمبريقية بصفة خاصة، بحيث أصبحت تهتم بدراسة قطبي الثنائية معاً.73
وأخيراً تجدر الإشارة إلى معضلة أساسية أخرى وثيقة الارتباط بـهذه الثنائية، وهي ثنائية "الاستقرار-التغير"، التي لن نفردها في هذا المقام بعرض موجز خاص، كما فعلنا في بقية الثنائيات، لأنها لا تختلف عن تلك الثنائيات إلا من الناحية التحليلية. فقطباها يعدان تتويجاً منطقياً لقطبي هذه الأخيرة (الوفاق  الاستقرار، والصراع  التغير). والواقع أنّ ظاهرة التغير عند الاتجاهين الرئيسين تظل مثل ظاهرة الصراع مفتعلة أكثر من كونـها واقعاً: فالتغير، في مفهومه اليساري، يُربط بالتغير البنائي المتصل بالبُنَى السياسية وما يواكبه من مفاهيم متصلة بوسائل الإنتاج ومفهومها المعدل عند اليسار الجديد الذي يجعل التغير متعدياً إلى المجال السياسي والثقافي، … إلخ. أما علم الاجتماع المحافظ فيعرض قضايا التغير من زاوية التطور، إذ يعده م جهة مرتبطاً بمجتمعات بدائية تطورت تاريخياً إلى أن انتهت بأبنيتها إلى الرأسمالية الحديثة، ومن جهة ثانية، مجرد تباين في أداء الوظائف أو المهام التي يفرضها التقدم التقني والثقافي بعيداً عن البناء العام للمجتمع. وأما الثورات التي تحدث داخل البناء فهي لا تتجاوز كونها تغيرات انحرافية تتكفل وسائل الضبط بامتصاصها، أو كونها ثورات تضطر إلى أن تصب في الرافد نفسه الذي يحافظ على استقرار المجتمعات وتكاملها.47
أما النظام الاجتماعي الإسلامي فيتميز في هذا المجال بتقبله للتغير صفة ذاتية للكون والمجتمع والنفس البشرية -ما دام الكمال لله وحده- بوصفه مهمة تفرضها طبيعة الاستخلاف البشري في الأرض، ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار الثبات في الأصول لضرورة المحافظة على طبيعة النظام الإسلامي والتغير في الفروع قصد التكيف مع مستلزمات تغير ظروف الزمان والمكان والكم والكيف.
إن النظرة الإسلامية للتغير الاجتماعي لا يجوز أن تنطلق من الصراع الطبقي، ولا من المادية التاريخية ولا من علاقات السلطة ولا من زاوية التطور التاريخي أو الحداثي الغربـي ذي النـزعة المتمركزة حول الذّات، ولا من مجرد التباين في الوظائف والأدوار اللازمة للحداثة الغربية، كما جاء في التصور الغربي بقطبيه، بل من نظرة شاملة ومتميزة للمجتمع تتمثل أساساً في النظر إليه بوصفه مجموعة علاقات بين البشر أنفسهم وبينهم وبين خالقهم، ومن نظرة خاصة للإنسان بوصفه مستخلفاً في الأرض. وما دامت القيم العليا في الإسلام متبناة بوصفها حقائق مطلقة لأن مصدرها الوحي الإلهي: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً (المائدة3)، فإن أي "تغير" تبديلاً أو "تحولاً" -حسب المصطلح القرآني- في المجتمعات الإسلامية، سواء كان محاسبة أو مجاهدة أو أمراً بالمعروف أو نهيً عن المنكر، لا يمكن أن يكون إلا نسبياً وفي أحد الاتجاهات التجديدية والإصلاحية الثلاثة الآتية: "ابتعاداً عن الأصل المطلق، موازاة له (بمعنى أنه لا تغير إضافي بعد انحراف سابق) أو رجوعاً إليه. ومن ثَمَّ فإن التغير الضروري الوحيد منطقياً ذلك الذي يقرب من المطلق أو من النمط المثالي.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا يتعلق بمدى هذه المحددات المطلقة للقيم وعددها، ومؤسسات النظام الاجتماعي في الإسلام والمعايير الضابطة له.
وهنا يمكن القول: إن التغير الجذري أو الكلي في الإسلام غير مقبول معرفياً (ابستمولوجيا) إلا إذا كان في اتجاه تغيير مجتمع غير إسلامي إلى مجتمع إسلامي. أما تكيف المجتمع الإسلامي مع مستلزمات تغير الزمان والمكان فيمكن تصوره مبدئياً بطريقة تدريجية على غرار نـزول الوحي التغييري أو تطبيقاته التشريعية في مرحلتي التأسيس والبناء بقيادة الرسول . وأما حدود مرونته الكبيرة فتتكفل بإقامتها الشريعة الإسلامية بمختلف مذاهبها ومجتهديها عبر الزمان والمكان. وبالطبع فإن ذلك يكون في "المتغير" و "الأسلوب" وليس في "الثابت" الذي يعد أساس كمال هذه الرسالة.
وأما آفاق هذا التغير فتكمن أساساً في الطموح إلى تحقيق الأهداف أو الغايات الآتية:
- الاستخلاف في الأرض بتطبيق آخر الشرائع الإلهية على البشر قاطبة، لأن الإسلام شريعة عالمية.
- الشورى في التطبيق وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (الشورى: 38).
- العدالة الاجتماعية، لأنها تعد من سنن الله  في الاستخلاف ودوام الحضارات. فهي في الإسلام أولى حتى من الإيمان إذا كان مقترناً بالظلم.
- المساواة في إتاحة الفرص، فرص الحراك الروحي والاجتماعي، للجميع. ولكن هذا لا ينفي كون المجتمع الإسلامي بالضرورة مجتمعاً متدرجاً أساسه التقوى والعلم، مع التشجيع على الحراك والتفاعل (مرونة حدوده الداخلية).75
- وأخيراً يجب تتويج كل ذلك بتمكين الإيمان بالغيب من عون وتسخير وتقدير إلهي، في قلوب الناس، لأننا نؤمن بأن لعناية الله وتقديره  أثراً فاعلاً في التاريخ وأن التوفيق في نهاية المطاف من عنده تعالى.
أما فيما يخص الصراع الذي قد يكون مقدّماً للتغير أو ناتجاً عنه فهو أمر وارد في القرآن باسم التدافع وبالهدف الآتـي: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة:251). وتعد هذه الغاية ذات البعد القيمي أساساً: "منع الفساد"، أو منع تحويل "النعمة" إلى "نقمة" -على حد تعبير "سيد قطب"-، وكون هذا التدافع "نفسه نعمة أو "فضلاً" من الله  مقابل ثنائية الطبيعة البشرية التي قد تجنح إلى الفساد فتخل بتوازن النظام الاجتماعي أو بسنن الله في الكون، من أهم الاختلافات الملحوظة بين هذا التصور الإسلامي والتصور الغربي الذي يكون فيها الصراع طبقياً، وتاريخياً، ومادياً، وتسلطياً أو عفوياً… -تبعاً لاختلاف نـزعات المدارس الغربية- يهدف إلى الهيمنة والتمكين في الأرض لطبقة دون أخرى أو لسلطة سياسية، اقتصادية أو إعلامية دون أخرى.
إن هذا التدافع إذن ضرورة حيوية إعمارية وذو قيمة أخلاقية عالية وبُعد عالمي (منع الفساد في الأرض)، فهو غير مرتبط أصلاً بالاختلاف أو التنوع الفئوي، والإثني، والمادي أو الاجتماعي الذي قد يحوله الإنسان إلى عصبيات فاسدة مفسدة بدلاً من جعله دافعاً لعملية من التعارف والتفاعل والتضامن والتكامل، أساسها التقوى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات: 13)، بل هو مرتبط بالإصلاح منعاً لمثل هذه العصبيات أصلاً أو لأي انحراف آخر أو تصحيحاً لها جميعاً؛ لأن هذا النوع من الصراع أو التدافع لا يعد هو الأصل أو القاعدة كما أن ضرورته لا تجعل منه غاية في حد ذاته، بل هو مجرد وسيلة عملية مرتبطة بقيمة أخلاقية عليا.
وهناك ثنائيات أخرى لم نتناولها هنا، وخاصة تلك المتعلقة بقضايا المنهجية في علم الاجتماع مثل: معضلة الكيفي والكمي، والوصفي والتجريبي، والفهمي (البيّني) والتفسيري، والاستنباطي والاستقرائي، والتحليلي والجدلي، والأحادية المنهجية والتعددية المنهجية.
خاتمة
لقد حاولنا في المباحث السابقة تحديد مجال علم الاجتماع بأهم ثنائياته النظرية المتناقضة ومحاولات التأليف بينها. فتعرضنا لأهم المعضلات التي يتناولها هذا العلم والتي هي في حقيقتها عبارة عن انعكاس منطقي لتنوع مختلف الأبعاد وتعقدها، والأشكال والمستويات المُشكّلة للواقع الاجتماعي من جهة، وللصراع الموجود في الفكر الفلسفي الغربي بين الرومانسية والوضعية، وأهم المصادر التي ينضح بها الإناء الإيديولوجي الغربي، من جهة أخرى.
لقد فرضت هـذه الثنائيات وجهات وتصورات ومقاربات تحليلية مختلفة، ولكنها تغذي بعضها البعض في خطين متوازيين حاول البعض التأليف بينهما بخطوط نسبية متفاوتة. وذلك لأن مرجعيتها واحدة من حيث نوعيتها: "الأيديولوجيا": "إن الخصائص الإيديولوجية لعلم الاجتماع في بداياته (وحتى الآن) لا يمكن إنكارها"،76 وغير متجانسة، بل متناقضة من حيث طبيعتها وخصائصها: الأيديولوجيا الثورية بماديتها مقابل الأيديولوجيا المحافظة بمثاليتها وعضويتها، وهو ما يؤكده دون مارتندال Don Martindale بقوله: "إن المتطلبات الأيديولوجية المفروضة بداية على علم الاجتماع جعلت منه نوعين: "علمي" و "محافظ"، وتمثل "العضوية الوضعية" النوعين معاً. وضعت لمواجهة برامج الليبراليين والاشتراكيين المناهضين للمحافظين".77 وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاتجاه العضوي الوضعي يُعدُّ أولى المحاولات التوفيقية بين الاتجاهين، وهو ذو منطلقات عضوية أصلاً، تلتها محاولة "بارسونـز" التطورية بعمومياتها (التي تنتمي إلى الاتجاه التصوري المحدث)، فمحاولات أخرى قامت على نقد القطبين معاً، على الرغم من ارتباط بعضها بالوظيفية (لويس كوزر، وفان دن برغ.. إلخ) وبعضها الآخر بالماكسية (رافل دارندروف، ورايت ميلز بخياله السوسيولوجي… إلخ).
إن من أحسن الأمثلة التشخيصية الحديثة لهذه المرجعية المؤدلجة في شقها الأول، ألفن غولدنر A. W. Gouldner. في كتابه: For Sociology-Renewal and Critic in Sociology Today، الذي انتقد في فصله الأول ما أسماه بـ"الأيديولوجيا المهنية المهيمنة" لعلماء الاجتماع "المحافظين"، ومنهم: بارسونـز، وليبست، وبيكر، وكل مدرسة شيكاغو، ثم يعكس ذلك في الفصل التالي مباشرة، مؤكداً ضرورة "تحزب علم الاجتماع"، ولكن ضد النظام المحافظ وأنصاره.78 وهو يجيز ذلك، هذه المرة، لأن موقف عالم الاجتماع والتزامه الأيديولوجي موجهان ضد أصحاب الخط الموازي: المحافظين!! وهو ما يؤكده أحمد زايد بقوله: "تبرز هنا قضية الالتزام الأيديولوجي لعالم الاجتماع (المحافظ). سواء أكان منظراً أم كان باحثاً إمبريقياً، فكلاهـما يلتزم بالافتراضات الأساسية التي يعرضها الفكر الرأسمالي…، وكثيراً ما يكون لهذه البحوث هدف تطبيقي يستغله الساسة أو الشركات في تحقيق أهدافها.79 وما أحله غولدنر لنفسه وللخط المنتمي إليه، بما في ذلك مدرسة فرانكفورت واليسار الجديد وأتباعهم من العالم التابع"… (الثوريون -عند كونت، والمصلحون الراديكاليون والاشتراكيون عند سبنسر، والمجددون والليباليون من كل الأنواع، "الزوروات" : Zorros (أو الثعالب عند باريتو)80 وحرّمه على المحافظين، يرد هؤلاء عليه وعلى أتباعه بقولهم على لسان "لهمان" (Luhmann) بأنهم (أنصار خط جولدنر) يعوضون المهارة التقنية بالمهارة التاريخية أو الجدلية، محافظين في الواقع على الطريقة نفسها في فهم قابلية تطبيق العلوم الاجتماعية النفعية -المتجذرة أصلاً في فلسفة واحدة- بحسبانها مشكلة خاصة بما يجب القيام به (من حيث الصحة). وعلى غرار بعض علماء الاجتماع الكلاسيكيين، ولكن على نحو أكثر وضوحاً وتبلوراً، يؤكد بارسونـز أيضاً أنه من الواضح أن العلم والمصالح العملية تقوم على قواعد مختلفة وتوجه نحو آفاق واضحة ومختلفة أيضاً. وذلك لأن العلم عبارة عن نظام مجتمعي كغيره من الأنظمة، ومن ثَمَّ فهو ليس الوحيد ولا الأحسن، عند اختيار مضامين والأفعال ومحتواها. إن مشكلة العلاقة بين العلم والمصالح العملية تكمن إذن في كيفية تجاوز المسافات بينهما دون إلغاء تميزهما الوظيفي.81
والغريب بعد هذا، أنك تجد عدداً معتبراً من الفريقين -وخاصةً من أتباعهم- من يحرم هذه الأدلجة أو التحزب المذهبي على البقية ممن ينتمون لمرجعيات معرفية أخرى مغايرة لإطارهم المعرفي الغربي. وذلك على الرغم من أن ثنائيات هذا الأخير وتناقضاته ومحدداته الثقافية والبشرية توحي بضرورة وجود بديل ذي منطلقات معرفية مغايرة. هذا فضلاً عن دافع آخر يتمثل في خصوصية لتراث علم الاجتماع الغربي وتحيزه التاريخي والاثنوغرافي: فمنتجو هذا التراث من الباحثين الغربيين "قد اتخذوا من تحيزاتهم الأيديولوجية والفلسفية إطاراً مرجعياً لاستخدامهم المعطيات التاريخية والاثنوغرافية. بحيث استخدمت هذه المعطيات أمثلة إيضاحية لنتائج وأفكار كان هؤلاء قد أعدوها مسبقاً. ولهذا فقد استندت هذه البحوث الاجتماعية إلى استخدام منحاز للتاريخ يستند إلى جزء معين منه لتقيم عليه دعامة للتعميم (تزييف لحقائق التاريخ وتسرع بالنسبة للتعميم وقصور منهجي في المقارنة بالنسب للتطور الاجتماعي والبيولوجي)".82 وهذا هو أساس "الأيديولوجيا" مصطلحاً: إن ما يربط تعريفاً خاصاً للواقع بمصلحة محددة، يمكن تسميته بالإيديولوجيا. ولأن المصالح مختلفة ومتناقضة في كثير من الأحيان فرض التمايز الأيدجيولوجي أو التفسير بطرائق مختلفة وفقاً للمصالح الحقيقية للمجتمع أو الجماعة المعنية. ويصبح هذا المصطلح عديم المعنى في حالة استعمالنا تعريفين مختلفين للواقع في حالة الاحتكاك الثقافي بين مرجعيتين فكريتين مختلفيتين.83
وأما المحاولات التأليفية التي تجري داخل الإطار المرجعي نفسه فلا تزيد تلك الثنائيات إلا حدة في تناقضاتها على الرغم من تهذيبها المظهري، لأن كل إناء لا يمكنه أن ينضح إلا بما فيه…بل يمكن عدها، من جهة أخرى، مقدمات تمهيدية لقبول فكرة بدائل معرفية أخرى. وعلى كل حال، فهي في نظر الكثيرين خاطئة، غير صلبة وتفتقد إلى القوة التفسيرية، ومن ثمَّ فهي -إن كانت ضرورية من الناحية التاريخية- غير كافية أصلاً ولا تنم عن قطيعة معرفية أصيلة… والشهادات الآتية لكل من مارتندال، وتيماشيف N. S. Timasheff وجلين Gillin تؤكد ذلك:
يرى ماتيندال أن "فرض الاندماج أو التقارب بين مختلف الاتجاهات تبعاً للملامح الكبرى المميزة لها وجهة خاطئة. كما أن فرضه في مستويات أخرى قد يمحو، أو يأتي على الخطوط المميزة لتشكل مختلف الاتجاهات".84
أما تيماشيف فيرجع تحفظه وتحذيره ن هذا التأليف إلى ثلاثة أسباب هي: الاختلاف في عرض النتائج الأساسية، والفوضى السائدة في مجال المصطلحات السوسيولوجية، والاختلافات المتعلقة بالمناهج يقول:
"يجب النظر بحذر إلى هذه الاتجاهات (التأليفية) لأنه حتى في "منطقة الاتفاق" توجد عدة اختلافات في عرض النتائج الأساسية… ومن جهة أخرى، ما زالت الفوضى والغموض سائدين في مجال المصطلحات حيث تستعمل الكلمات نفسها لتعيين مظاهر مختلفة للواقع الاجتماعي والثقافي… والكلمات نفسها للتعبير عن مفاهيم مختلفة، والمظهر نفسه من الواقع الاجتماعي الثقافي يوصف أحياناً بكلمتين أو أكثر… وقد نستطيع التغلب على الصعوبات المصطلحية، إلا أن الاختلافات المتعلقة بالمناهج تبدو أخطر".85
أما جلين فيشكك في صلابة توحيد يُتَوصَّل إليه بطريقة الجمع الاختياري بين إسهامات نظرية متناقضة.86
ولقد حاولنا تشخيص كل تلك (الثنائيات وتأليفاتها) في رسم بياني تقريبي (انظر الشكل1):بعد تحديد الإطار المرجعي والمصدر الأيديولوجي أو -حسب تعبير مالك بن نبي: "الفكرة" ("الموحى بها" مثل الديانات السماوية أو "المبنية" مثل الفلسفات الثورية).87 ويمكن عد انحدار الخط الأول للثنائيات المتناقضة من رحم المادية الثورية للتولد عنه الموضوعية، والجبرية، والذرية، والصراع،… إلخ. كما يمكن عد انحدار خطها الثاني من رحم المثالية المحافظة لتتولد عنه الذاتية، والحرية، والكلية، والوفاق… إلخ. وانبثقت من الخطين خطوط متذبذبة تمثل المحاولات التأليفية لكل طرف. وترك في الوسط أو الأطراف المجال واسعاً لمنطلقات مرجعية أخرى قد تحمل ثنائيات متناقضة إقصائية هي الأخرى أو غير متناقضة بل متكاملة، كما هو الحال بالنسبة للإطار المرجعي للفكر الإسلامي ومنطلقات الحضارة الإسلامية: "إن الإنسان المزدوج الطبيعة، متكون من قبضة الطين ونفخة الروح متحدتين ممتزجتين، يحمل في كل تصرفاته وجهين متقابلين… وإن كان في طبيعته يجنح أحياناً بهذه الصفة أو تلك، فتزيد نسبتها مؤقتاً، ثم يعود -مادام سوياً- إلى الاتزان. وتلك هي الحقيقة الكبرى التي غابت عن وعي تلك التفسيرات، فوقعت فيما وقعت فيه من انحرافات".88
إن مزية المرجعية الإسلامية تكمن في إدراكها لذلك ومسايرتها للفطرة الإنسانية ولحقيقة الواقع البشري الذي لا يمكن مقاربته بفعالية إلا من خلال مجالاته الأساسية الثلاثة: الروح، والعقل والجسم، ومن خلال ثنائية منشؤها (قبضة الطين ونفخة الروح)، مقاربةً شاملة ومتوازنة تتكيف مع متغيراتها الزمانية والمكانية. وتنحدر من هذا المجمع الثلاثي التكوين والثنائي النشأة خطوط دقيقة متقابلة ومتوازية، كل خطين منها متجاوران في الموضع ومختلفان في الاتجاه (الاتجاه إلى الواقع والاتجاه إلى الخيال، والطاقة الحسية والطاقة المعنوية، والإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بما لا تدركه الحواس، والفردية والجماعية…) ولكنها -على الرغم من اختلافها وتقابلها- تؤدي مهمتها بقدر مناسب في الكم والكيف وفي تكامل وتوازن يحفظان لها كيانها وصيرورته.
فالفكر الاجتماعي الإسلامي لا يعمل على الاستئصال الكلي للإنسان من واقعه كما لا يقتنع بالضرورة الاجتماعية المطلقة وبقهر الواقع. فهو لا يحجر على مشاعر الناس ويوقفها في حدود الواقع المحسوس لكي لا يأكلها الصراع على المادة. بل يسمح لها بالانفلات منه وتخيل ما ينبغي أن يكون، فهتفوا لإصلاح الواقع وتحسينه، ومن ثمّ فقد يصبح الخيال واقعاً بعد حين. وهكذا، فقد يساند التفكير التصوري التجريدي، الذي يدرك "الكليات والمعنويات والقيم العليا"، الواقع المحسوس ويغذيه.
ومن جهة أخرى، فإن حقيقة العالم لديه لا تنحصر في ماديته ومحسوساته، لأن الكون أوسع مما تراه حواس الإنسان وامتداداتها الاصطناعية وأشمل من منفذها، فهو يساير الفطرة بشقيها الحسي والمعنوي.89
ومن الخطوط المزدوجة التي باعدت بين الفلسفات الغربية بمذاهبها الاجتماعية، مسألة "الفردية والجماعية"، لأنها لمن تنتبه إلى ترابطهما وتكاملهما وأنهما معاً من صميم الفطرة. فإذا أخذ كل منهما مداره الصحيح، فلن يحدث التنافر بين الفرد والجماعة، بين أنانية الأول وقهرية الثانية. وهو ما يعتمده التصور الإسلامي: "الإسلامي دين فطرة، وهذه فطرة الإنسان: فرد داخل في المجموع. وأصيل في الفردية، وأصيل في الميل إلى الجموع. وهو دائم التقلب بين نـزعتيه المتناقضتين (في الظاهر)، ولكنه في كل لحظة شامل لجانبيه معاً على اختلاف في النسبة والمقدار… وحينئذٍ يصبح المجتمع أشخاصاً حقيقيين لا أصفاراً ولا نكرات. أشخاصاً لهم وجود واقعي… لبنات قائمة بذاته قوية الوجود… ثم إذا البناء كله جماعة."90
والواقع أن الازدواج هو السمة العامة للكيان البشري كله، أفراداً وجماعات، وهي السمة الناشئة في الأصل من ازدواج مَنْشَؤُهُ من قبضة الطين ونفخة الروح، وأن التكامل والتوازن على اختلاف في النسبة والمقدار وتبعاً لمتغيرات الزمان والمكان والكمية والنوعية هي محددات هذه الازدواجية ومنطلقات أي تفكير اجتماعي يتماشى مع فطرة الإنسان وحقيقة واقعه الاجتماعي، لأن تلك هي أهم محددات مركب "الطين والروح" وخصائصه في الأصل: الإنسان، ذلك الكائن البشري ومجتمعه الإنساني اللذان صاغهما الإله بالتوازي مع تحديد عناصر فطرتهما وأسس اجتماعهما وعلاقتهما" مما يعني أن تجاهل توجيهات المصدر الذي […] قام بكل ذلك (الله جل جلاله) لا بد أن ينتهي به إلى التفكك الاجتماعي متجسداً في المشكلات الاجتماعية، والتمييز العنصري، والانحرافات الجنسية، والمخدرات، والظلم، والطغيان،… إلخ، سواء أكان التجاهل يأتي من قبل الاتجاه العلماني المنعزل أساساً عن مبادئ الإسلام أم من قبل المسلمين غير الملتزمين بمختلف أبعاده الدنيوية".91
وخلاصة القول أنه إذا كنا نقّر -على غرار أبرز علماء الاجتماع ممثلين هنا بـ جولدنر وبارسونـز- بأن علم الاجتماع يلازمه دائماً إطار مرجعي أو مدخل أيديولوجي أو فكرة موجهة -على حد تعبير مالك بن نبي-، ومن ثمَّ فهو يقوم على قواعد متمايزة ويوجه نحو آفاق متمايزة أيضاً، فإننا نعتقد أن فكرتنا الموجهة وقواعدها وآفاقها (المتجذرة أصلاً في فلسفة حياة خاصة) ليست كغيرها من حيث كنهها وطبيعة العلاقة بين محطاتها الخاضعة أصلاً لمصدر علمي فريد من نوعه يتمثل أساساً فيما اشتهر على لسان العلامة ابن تيمية بـ "صحيح المنقول وصريح المعقول"، أي فيما صح نقله من "وحي إلهي" وثبتت صحته من "نتاج العقل البشري".
ومن المعروف أن العقل الغربي لا يقر بحقيقة الشق الأول ويتخبط معظمه في متاهات الشق الثاني وتناقضاته لنقص توجيهي من الشق الأول. ومن المعروف أيضاً أنه إذا كانت بداية الطريق تكون بالإقرار بهذه المسلمة، فإن "الاستخلاف" الحق في الأرض يتجاوز هذا الإقرار إلى حسن المعرفة بآليات هذه المسلمة، بتفصيلاتها ومستلزماتها لتفعيل قابليتها للتنفيذ.
وختاماً لهذه المحاولة المتواضعة ندرج بعض الأشكال التوضيحية لأهم محطاتها مذيلة بتصنيف تقريبي للثنائيات حسب المداخل النظرية:






















الشكل 1: المنطلق المرجعي الغربي
(العقل والكون)
الاتجاه المحافظ الاتجاه الثوري

الروحية المادية
الذاتية الموضوعية
الكلية الذرية
التحليل الجزئي التحليل الكلي
الحرية الجبرية
الفعل البناء
الوفاق الصراع
الاستقرار التغير
(…) (…)

تأليفات محافظة ثورية /و/ ثورية محافظة
الظاهرتية الخيال السوسيولوجي
التفاعلية الرمزية الحتمية السياسية
نظرية الهيكلة (…) (…)
كل النظريات الوسطى مـ"ميرتون" (…)













الشكل 2: منطلقات مرجعية أخرى

المرجعية الإسلامية
(الوحي، العقل والكون)

الطين الفطرة الروح
الجماعية التكامل الفردية
المحسوس الترابط المعنوي
الشهادة التوازن الغيب
الوفاق التدافع الصراع


الشكل 3: جدول تصنيف تقريبي للثنائيات حسب المداخل النظرية

ثنائيات مداخل نظرية الموضوعية الذاتية البناء الفعل المجتمع الفرد التحليل الجزئي/ الكلي الوفاق الصراع الحياد الالتزام
البنائية الوظيفية الذاتية الفعل الفرد الكلي الوفاق الحياد
الماركسية الذاتية البناء الاثنان الكلي الصراع الالتزام
النظرية النقدية الذاتية البناء الفرد الاثنان الصراع الحياد
الظاهريّة الذاتية البناء الفرد الجزئي الاثنان الحياد
التفاعلية الرمزية الذاتية الذاتية الفرد الجزئي الوفاق الحياد
(مرجعية إسلامية التقويم/ اجتهادات التقويم/ اجتهادات التسخير/ اجتهادات الاتقان/ اجتهادات التدافع/ اجتهادات
الالتزام/ اجتهادات
   
أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 421   عدد الاصوات: 87 تعليقات: 1 - أضف تعليقك
 
أضف تعليقك
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
التعليق: